هل يجب أن يكون النقاب أسود؟
لا يجب أن يكون النقاب أسود. فالسواد عادة شائعة، ولا يثبت من الأدلة المذكورة هنا استحبابه بخصوصه. والخبران اللذان يُحتج بهما له يرجعان إلى راوٍ اختلف فيه العلماء وتكلّم فيه عدد من أئمة الحديث، والمرجع في اللون هو العرف.

لقد شاع لبس السواد، غير أن شيوعه لا يعني أن له حكمًا خاصًّا في الشرع.
ما يُحتج به عادةً
ذهب الإمام ابن رسلان وكثير من أهل العلم في القرون الأخيرة إلى استحباب أن تلبس المرأة الأسود، وصار ذلك عادة في أكثر البلاد العربية، خاصة عند المتدينين. وأساس هذا القول أن الأسود أشد الألوان قتامةً، والقتامة أبعد عن لفت النظر، وهذا موافق لمقصد لباس المرأة في الإسلام وهو تقليل فتنتها في عيون الرجال. ونشأ عن هذا الرأي القول بأن اللباس الأسود كان لباس زوجات النبي ﷺ وأكثر النساء في زمانه. وأصله خبران.
الأول: رواه عبد الرزاق الصنعاني عن معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة رضي الله عنها، ومعناه أنه لما نزلت آية «يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ» خرج نساء الأنصار في هيئة شُبِّه ما على رؤوسهن فيها بالغربان من شدة السكينة، وكان على أجسادهن كساء أسود.
يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ
ما معناه: لما نزلت الآية خرج نساء الأنصار في هيئة شُبِّه ما على رؤوسهن فيها بالغربان من شدة السكينة، وكان على أجسادهن كساء أسود.
والثاني: رواه ابن أبي حاتم عن إبراهيم بن مالك، عن الحسن بن الربيع، عن داود بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة رضي الله عنها، ومعناه أنه لما نزلت آية النور (24: 31) رجع رجال من الأنصار إلى نسائهم يتلونها عليهن، فبادرت النساء إلى مُروطهن فشققن منها واتخذن منها ما يختمرن به، ثم خرجن في الصباح في هيئة شُبِّه ما على رؤوسهن فيها بالغربان.
النظر في قوة الخبرين
هذا الرأي غير قوي. فكون الأسود أقل لفتًا للنظر لا يعني بالضرورة أن لبسه مشروع. والخبران ليسا قويين أيضًا؛ فكلاهما، وكل حديث فيه متن مماثل، يرجع إلى راوٍ واحد هو ابن خثيم. وقد وثّقه كثيرون أو قالوا فيه صدوق، غير أن عددًا من أئمة الحديث تكلّموا فيه، ومنهم من قال إنه ليس بالقوي.
فقد ذكر النسائي (ت 303هـ)، بمعناه، أن ابن خثيم ليس بالقوي في الحديث، وأنه أورد روايته كي لا يُظن أن ابن جريج يروي عن أبي الزبير مباشرة، وأن يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي لم يتركا حديثه، وأن علي بن المديني وصفه بأنه منكر الحديث، وأن النسائي أثنى على مكانة علي بن المديني في الحديث ثناءً بالغًا. وذكر الطحاوي (ت 321هـ)، بمعناه، عند رده حديثًا آخر أن ابن خثيم ممن طُعن في روايته، ونُسب إلى سوء الحفظ وقلة الضبط وسوء الأخذ. ونُقل عن الدارقطني (ت 385هـ) تضعيفه، وعن ابن الجوزي أنه لا يُحتج به، وعن ابن رجب أنه ليس بالقوي، كما ذكر ابن حبان (ت 354هـ)، مع إدراجه له في الثقات، أنه كان يخطئ. وعليه فلا يمكن الجزم بروايته إذا انفرد بها ولا الاحتجاج بها، وهو ما انتهى إليه الزيلعي (ت 762هـ)، إذ بيّن، بمعناه، أن ابن خثيم متكلَّم فيه ومختلف فيه، وأن روايته لا تُقبل إذا انفرد بها.
ولو صحّ الخبران
ولو صحّ الخبران فإن غاية ما تدل عليه الروايتان في هذا الباب سواد ما استُعمل للستر، لا سواد جميع الثياب من الثوب والإزار كما جرت به العادة العامة؛ لأن الخبر لا يذكر السواد إلا في الكساء الذي كان على أجسادهن، مع تشبيه هيئة ما على رؤوسهن بالغربان. ولا يعني هذا أن السواد في غطاء الرأس مشروع؛ فظاهر الخبر أن نساء الأنصار فعلن ذلك تلقائيًّا وعلى عجل امتثالًا لأمر نزل حديثًا. ولا يوجد بعد ذلك حديث ولا أثر يدل على أن المسلمات تعمدن لبس الحجاب الأسود على أنه مشروع أو مستحب.
القاعدة
والأصل في هذه المسألة العُرف. فبسبب اختلاف المجتمعات والأزمنة والأمكنة لا يمكن تحديد ضابط دقيق للون الذي يلفت النظر أو لا يلفته. وقد لا يُمنع القماش الملون والمنقوش كله، مثل قماش الباتيك الذي تلبسه النساء الملايويات غطاءً وإزارًا. لكن إذا عُلم أن في اللباس شيئًا من التبرج، كالنقاب المنقوش والحجاب المتعدد الطبقات، فالمرأة تُمنع منه.