النقاب علامةٌ على المكانة
كانت الحرائر في جزيرة العرب قبل الإسلام يتحجبن، وبعضهن يغطين الوجه أيضًا، أما الإماء فلا يتحجبن. وفي الحروب كانت بعض الحرائر يكشفن رؤوسهن ووجوههن ليتشبهن بالإماء اتقاءً للأسر، وقد سجّلت ذلك أشعار جاهلية عدة.
كان اللباس في جزيرة العرب قبل الإسلام يحمل دلالة اجتماعية. فكثير من الحرائر كنّ يغطين الرأس وسائر البدن، وبعضهن يغطين الوجه أيضًا، أما الإماء فلم يكنّ يلبسن غطاء رأس ولا نقابًا. وكان هذا الفارق ظاهرًا للعيان.
ما كان يحدث في الحرب
لمكانتهن الاجتماعية العالية كانت الحرائر من أبرز من يستهدفهم الأعداء بالأسر والاسترقاق. فكنّ يتقين هذا المصير الفظيع بالتنكر في هيئة الإماء، فيكشفن رؤوسهن ووجوههن. وهذا مذكور في أشعار جاهلية كثيرة، منها بيت لسبرة بن عمرو الفقعسي مخاطبًا ضمرة بن ضمرة النهشلي، ومعناه أن نساءهم يكشفن وجوههن في الحرب، فيُحسبن إماءً وهن في الحقيقة حرائر.
وَنِسْوَتُكُمْ فِي الرَّوْعِ بَادٍ وُجُوهُهَا ... يُخَلْنَ إمَاءً وَالإِمَاءُ حَرَائِرُ
وبيّن المرزوقي (ت 421هـ)، في شرحه هذا البيت، ما معناه أن نساءهم كنّ يتنكرن في هيئة الإماء خوف الأسر، فيخرجن مكشوفات ويتبرجن ويتركن ما يقتضيه الحياء وإن كنّ حرائر في الحقيقة؛ لأن مقصود العرب من أسر بعض النساء كان إذلالهن لا اتخاذهن للفداء أو المال، فكانت الحرة في هذه الحال تتنكر في هيئة الأمة كي لا يُراد أسرها.
وصوّر الحال نفسها عمرو بن معديكرب، الشاعر المخضرم، في أبيات معناها أن لميس بدت كأنها بدرٌ في السماء، وظهر ما كان مستورًا من جمالها، وكان الموقف شديدًا. والأبيات في حرب من حروب الجاهلية. وظاهر الصورة أن المكشوف كان الوجه على الأقل؛ إذ يبعد أن يكون المكشوف الرأس وحده، أو الرأس وسائر البدن مع بقاء الوجه مكشوفًا من قبل، لأن تشبيهها بالبدر أليق بالوجه، ولأن الوجه موضعٌ بارز من جمال المرأة حتى شاع تشبيه الوجه الجميل بالبدر، ولا يناسب أن يكون الرأس وحده هو المراد بما كان مستورًا من الجمال ثم ظهر.
وجاءت صورة مماثلة في شعر مهلهل بن ربيعة، الشاعر الجاهلي، الذي طلب أن يُقرَّب منه فرسه المسمى المشهَّر كناية عن استعداده للقتال، وصوّر الحرب، بالمعنى، بخروج صاحبات الحجال في حال انكشاف.
وهذه بعض الأمثلة على صورة تكررت في الشعر الجاهلي.
لماذا يهم هذا في تاريخ الحجاب
يُرجع إلى هذا الفارق في الهيئة بين الحرة والأمة عند الاستدلال بآية الجلباب (انظر آية الجلباب)؛ إذ كان هذا التمييز معروفًا في عرف العرب منذ الجاهلية.
تنبيه تحريري
التمييز بين الحرة والأمة يجري في هذه المادة كلها، ولا يمكن حذفه دون حذف الحجة. وهو وصفٌ لنظام اجتماعي كان قائمًا في ذلك الزمان، ويُذكر هنا لفهم الأدلة في سياقها.