معنى آية الجلباب
آية الجلباب هي الآية 59 من سورة الأحزاب. ولا تحسم دلالتُها اللغوية وحدها ما يجب ستره، وإنما يحسمه قوله تعالى: «ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ»، أي أن يُعرفن حرائرَ لا إماءً، وتدل على ذلك ثلاث قرائن.
قال الله تعالى في الآية 59 من سورة الأحزاب: «يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا».
يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ
ما تدل عليه اللغة وما لا تدل عليه
«يُدْنِينَ» من «أدنى»، ومعناه التقريب والمقاربة. و«عَلَيْهِنَّ» أي على أجسادهن، و«مِن جَلَابِيبِهِنَّ» أي بعضَ جلابيبهن. والجلباب نوعٌ من اللباس، وهو قطعةٌ عريضة من القماش تُلبس على الرأس وتُرخى على الجزء الأعلى من البدن.
فإذا اقتُصر على المعنى اللغوي عَسُر إدراك المراد، لأن الآية تحتمل تفسيرات كثيرة، فما يجب ستره وحدُّه غير معلوم من اللفظ وحده. ويأتي الجواب من مفتاح في الآية نفسها: «ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ».
يُعرفن بماذا؟
المراد أن يُعرفن حرائرَ لا إماءً. وما يُذكر بعد ذلك من النقول منقولٌ بالمعنى ما لم يُنصّ على خلاف ذلك.
الأولى: إجماع العلماء على أن الأمر في الآية لا يتوجه إلى الإماء. فقد نُقل عن ابن عبد البر (ت 463هـ) أن العلماء اتفقوا على أن الله عز وجل لم يقصد الإماء بالأمر بالحجاب وإدناء شيء من الجلباب، وإنما قصد الحرائر. وقد خالف في هذا الإجماع بعض العلماء، منهم ابن رسلان (ت 844هـ)، غير أن هذا القول لا يُعتدّ به لمخالفته إجماع الصحابة والسلف، كما سيأتي.
الثانية: أن الأمة لا يقتصر حكمها على عدم وجوب الجلباب عليها، بل تُمنع من لبسه. فقد منع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الإماءَ من لبسه من غير أن يُروى إنكارٌ عليه من أحد من الصحابة رضي الله عنهم. وفي إحدى الروايات أمر أمةً تلبس جلبابًا أن تضعه عن رأسها، وبيّن أن الجلباب للحرائر من نساء المؤمنين. وشدته هذه تُشعر بأن الجلباب قد صار سمةً وعلامةً للحرائر مقرَّرةً في الشرع.
فَمَا بَالُ الْجِلْبَابِ ضَعِيهِ عَنْ رَأْسِكِ إِنَّمَا الْجِلْبَابُ عَلَى الْحَرَائِرِ مِنْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ.
الثالثة: أن روايات أسباب النزول تدل على أن الآية نزلت لتتميز الحرائر في هيئتهن عن الإماء. ومع ذلك لا توجد رواية صحيحة عن أحد من الصحابة في هذا الشأن؛ وإنما الموجود روايات عن التابعين، منهم قتادة بن دعامة (ت 117هـ)، والحسن البصري (ت 110هـ)، ومجاهد بن جبر (ت 102هـ)، والزهري (ت 124هـ).
كيف انتهى هذا الاستدلال إلى نتيجته
إذا تبيّن أن الأمر جاء لتمييز الحرائر عن الإماء، فلا بد أن تكون كيفية الإدناء محقِّقةً لهذا المقصد. والفارق في الهيئة بينهما في عُرف العرب منذ الجاهلية هو الحجاب: فالحرة تغطي رأسها وأحيانًا وجهها، أما الأمة فلا تحتجب. أي إن أصل هيئة الحرة تغطية الرأس، وكمالَ هيئتها أن تُضاف إلى تغطية الرأس تغطيةُ الوجه.
والأقرب إلى المعقول أن تبقى العادة القائمة المعروفة، بدل أن يُستحدث شيء جديد لتحقيق المقصد نفسه، فيُفهم أنها أُريد رفعها إلى حكم شرعي. ولما كانت تغطية الرأس هي الحد الأدنى لهيئة الحرة، فهي واجبة. ولما كانت تغطية الوجه هي الصورة الأكمل لهيئتها، فإن لم تبلغ حدَّ الوجوب، فهي مشروعة على الأقل.
وليس الكلام هنا في إثبات الوجوب. فهذه الصفحة تعرض حجة هذا الرأي فحسب، ولا تقرر أن النقاب واجب، ولا يُدَّعى ذلك هنا.